جلال الدين السيوطي

154

الأشباه والنظائر في النحو

هذه الأبيات الثلاثة كتبت بخطّه ، ورأيت بعد هذه الأبيات بخطّه - رحمة اللّه عليه - : هذا كلام على طريقة البحث وأمّا التحقيق فأن يقال : يمنع التنازع في المتقدّم وذلك لأنّه إنّما يتحقّق تجاذب العاملين للمعمول مع تأخّره عنهما ، أمّا إذا تقدّم وجاءا بعده ك « زيدا ضربت وأكرمت » فإنّ الأوّل بمجرّد وقوعه بعده يأخذه قبل مجيء الثاني ، لأنّه طالب له من حيث المعنى ولم يجد معارضا ؛ فإذا جاء الثاني لم يكن له أن يطلبه لأنّه إنّما جاء بعد أخذ غيره له . وكذا البحث في المتوسّط . فهذا إن شاء اللّه تعالى هو الحقّ الذي لا يعدل عنه وينبغي أن يكون هو حجّة للنحويّين لا ما احتجّ به ابن مالك ، انتهت المسألة - انتهى بنصّه - . قال ابن النّحاس « 1 » : لا أعلم في التنزيل العظيم ما هو صريح في إعمال الثاني إلّا قوله سبحانه : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ . . . [ المنافقون : 5 ] ، ولو أعمل الأوّل لقيل : تعالوا يستغفر لكم إلى رسول اللّه ومثله في الحديث : « إنّ اللّه لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم . . » « 2 » وهو عكس الآية لأنّ الثاني تعدّى بالجارّ ، ولو أعمل الأوّل لعدّاه بنفسه . انتهى . وأمّا باقي الآي فلا صراحة فيها . وقولهم : لو أعمل الأوّل لأضمر في الثاني لا يلزم ، لأنّ الإضمار غير واجب ، وقد ذكرنا أمثلته ، وإذا لم يجب لم يكن معنا قاطع انتهى . وأقول : ما قاله مسلّم ، إلّا أنّ مشايخنا في هذا العلم ذكروا أنّ الإضمار وإن لم يجب لأنّه فضلة لكن يلزم إجماع القرّاء السّبعة على غير الأفصح . وهو غير جائز . قوله : وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه يقتضي عدم التنازع في الحال . قال ابن معط في ( شرح الجزوليّة ) : « وتقول في الحال : « إن تزرني ضاحكا آتك في هذه الحالة » ولا يجوز الكناية عنها لأنّ الحال لا تضمر . وتقول في الظّرف على إعمال الثاني : « سرت وذهبت اليوم » . وعلى الأوّل : سرت وذهبت فيه اليوم . وفي المصدر على الثاني : « إن تضرب بكرا أضربك ضربا شديدا » ، وعلى الأوّل : « أضربكه ضربا شديدا » .

--> ( 1 ) ابن النحاس : هو محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر الإمام أبو عبد اللّه بهاء الدين بن النحاس الحلبي النحوي : لم يصنّف إلا ما أملاه شرحا لكتاب « المقرّب » ، ( ت 698 ه ) . ترجمته في بغية الوعاة ( 1 / 13 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1546 ) .